سيد محمد طنطاوي
255
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - * ( ولا أَدْنى مِنْ ذلِكَ ولا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ) * بيان لشمول علمه لجميع الأحداث . أي : ولا يقع التناجي بين ما هو أقل من ذلك العدد أو أكثر - كالاثنين والستة - إلا وهو - سبحانه - يعلم علما تاما ما يجرى بينهم في أي مكان كانوا ، وعلى أية حالة وجدوا . * ( ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * أي : ثم يخبرهم - سبحانه - يوم القيامة بما عملوه في الدنيا من أعمال كبيرة أو صغيرة ، ويجازيهم عليها بما يستحقونه من ثواب أو عقاب . * ( إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان شمول علم اللَّه - تعالى - لكل شيء ، وأنه - سبحانه - يحصى على الناس أعمالهم إحصاء الحاضر معهم ، المشاهد لهم ، الذي لا يعزب عنه شيء من حركاتهم أو سكناتهم ، ولذا افتتح - سبحانه - الآية بالعلم ، واختتمها بالعلم - أيضا - . قال الإمام الرازي ما ملخصه : ذكر - سبحانه - الثلاثة والخمسة لوجوه : أحدها : أن هذه إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا أخذ اثنان في التناجي والمشاورة بقي الواحد ضائعا وحيدا ، فيضيق قلبه فيقول اللَّه - تعالى - له : أنا جليسك وأنيسك . وثانيها : أن العدد الفرد أشرف من الزوج ، لأن اللَّه وتر يحب الوتر ، فخص الأعداد الفردية بالذكر للتنبيه على شرفها . وثالثها : أن الآية نزلت في قوم من المنافقين ، اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العددين : أي كانوا في مرة ثلاثة وفي مرة أخرى خمسة - فنزلت الآية الكريمة بيانا للواقع « 1 » . ويبدو لنا أن ذكر العدد إنما هو من باب التمثيل ، وأن المقصود الأصلي من الآية الكريمة ، بيان أن علم اللَّه - تعالى - يشمل كل كبير وصغير ، وكثير وقليل ، ولذا قال - سبحانه - : * ( ولا أَدْنى مِنْ ذلِكَ ولا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ) * . قال القرطبي : قال الفراء : المعنى غير مقصود ، والعدد غير مقصود ، لأنه - تعالى - إنما قصد - وهو أعلم - أنه مع كل عدد قل أو كثر ، يعلم ما يقولون سرا وجهرا ، ولا تخفى عليه خافية ، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد ، دون بعض . . « 2 » .
--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 28 ص 226 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 290 .